آخر تحديث :السبت - 05 أبريل 2025 - 01:51 ص

كتابات واقلام


تفعيل القبيلة الجنوبية انعتاقة للأمام أم انتكاسة للخلف؟

الجمعة - 04 أبريل 2025 - الساعة 06:52 م

منصور الصبيحي
بقلم: منصور الصبيحي - ارشيف الكاتب


من مسلمات الأمور والسياسة أن لا يجتمع ضدان على خيرٍ إلا تفرقاء على شرٍ. هذا كما جرى أيام نظام الهالك صالح وذلك باستناده إلى من يسميهم بقبائل الطوق معوًلًا عليهم كحائط صد يقي صنعاء من التهديدات القادمة من خارجها، غير آبهٍ أن ذلك يعني إنحراف صارخ عن أهداف ثورة ٢٦سبتمبر وخرق فاضح لقيمها النبيلة التي شرع الثوار الأحرار على ترسيخها من الوهلة الأولى لسقوط الإمامة.

لكن وبالرغم ما بذله في سبيلهم من عطاء مادي ومعنوي جزل، إلا أنّه لم يستفد منهم في شيء، سوى أن اتّصل عليهم طالبًا منهم فقط يفسحوا الطريق للقبائل الإمامة الجديدة القادمة من جبال مران وكهوف صعدة بالدخول وخلط الأوراق على ثوار فبراير، لُيسحق هو على أيديهم وتُسحق بعده الدولة والجمهورية بالكامل.

يبدو أن المشهد نفسه يتكرر اليوم بطريقة وبأخرى عند الانتقالي الذي شرع أخيرًا في استدعاء القبيلة لتشارك في تجسيد هوية الجنوب العربي، في تناقضٍ تام مع دعواته ومبادراته لتأطير نضالات مكونات المجتمع الجنوبي العسكري والمدني وتحفيزها على استعادة دولتها المصادرة على حدود عام ٩٠م بعيدًا التطرّف والصراعات الطبقية، استنادّا لثورة ١٤ اكتوبر المجيدة كمرجعية وهوية جامعة قامت بالأساس ضد الاستعمار البائد وأعوانه المحليّن.

فإذا كان سقوط صنعاء وسيطرة الإمامة الحوثية عليها بغض النظر عن المتسبب الرئيسي فيها من وجهة نظر سياسية تعني إقرار بفشل ثورة ٢٦ سبتمبر وسحل ما بقي من رمزيتها، قياسًا عليه تصبح مسألة إحياء المشيخات والسلطنات ومحاولة تجميعها وإخراجها في قالبها التقليدي (الجنوب العربي ) إنطلاقًا من عدن... تعني أمر مماثل يسري بشكل أو بآخر على ثورة ١٤ اكتوبر المجيدة، وبالأحرى إقرار ضمني بفراغ سياسي قائم في الجنوب تشكّل على غِرار إنقلابين متتالين، بدءً بإنقلاب صالح على شريكه في الوحدة، وذلك بإعلان الحرب عليه من ميدان السبعين نهار ٢٧ أبريل ١٩٩٤م، تاليه إنقلاب الحوثين على النظام الجمهوري اليمني بالكامل والعودة بالبلاد إلى ما قبل التاريخ.

المسألة تنطوي عليها كثيرًا من الأبعاد والمخاوف، فلا يمكن معالجة الخطأ بخطأ اكبر منه، أي بمعنى لايمكن معالجة حاضر الجنوب البائس لما بعد الوحدة بماضٍ بأئسٍ آخر، وقد يتحول في مرحلة ما إذا أستغل من طرف سياسي دولي أو إقليمي بمثابة خنجر في خاسرة الجميع يلام عليها من ساعد على إحياءها.

فمن المعلوم بأن ٢٢ مشيخة وسلطنة أنشأها الاستعمار ومنحها جميع الصلاحيات والإمكانات ليقارب بكل واحدة منها بلوغ فيدرالية مستقلة بذاتها تستظل تحت رايتة وتتغذّى على الآم شعبها؛ بل ومنها من غدت في فترات متأخرة بفعل الدعم السخي المقدم لها من المستعمر نفسه واليقظة التنويرية التي سادت آنذاك، تمتلك برلمانات شبه منتخبه تعبر عن حالة خاصة بها ذات ابعاد متداخلة سياسية - وطنية- ثقافية، ومازال مورثوها الحضاري قائم إلى اليوم يحظى بعناية عدد من المهتمين والباحثين.

والملاحظ في حاضرنا ثمة حرب باردة شعوى تجري على المضايق المائية والمعادن النادرة التي تشكّل العماد الرئيسي لصناعة بطاريات المحركات الكهربائية والطاقة المتجددة، والعالم يحبس الأنفاس لما ستسفر عنه مساعي اترامب من تطويره لأساليب أمريكا وتأطيرها للفوز بالسباق المحموم مع الصين، وقد صار من يوم صعوده يوسع من دائرة خلافاته بشكل مستمر، ليتصرّف ويتحرّك وكأنّه في حِلٍ عن القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، متعهدًا لناخبيه بضم دولة كندا والسيطرة على شبه جزيرة جيريلاند وصولًا لغزة المدمرة، والأخيرتان تتشابهان من حيث مبدأ السيادة مع حالة الجنوب العربي وعدن، فما سيسري عليهما قد ربما نجده فجئة يسري لنفس الأسباب على الأخير سواءً من قبل اترامب المعسكر بأساطيله وجيشه على مرمى حجر من سواحل اليمن أو غيره.

لتبقى مسألة النجاح من عدمه، مرهون ومعلّق بتثبيت روسيا العظمى أولًا على الأجزاء التي استقطعتها من الأراضي ألأوكرانية لنفسها، وتحاول أمريكا شرعنها عليها، ولو أتمّ ذلك لها سيكون هذا بمثابة عامل مساعد يدعم موقف الأخيرة بالإجهاز على الأماكن التي تعد من وجهة نظرها ذات أهميّة أقتصادية قصوى، بما قد ينسحب الأمر ذاته مستقبلًا على إمبراطوريات مماثلة تحن وتهوى العودة لبعض مستعمراتها السابقة وليس أمامها سوى بالمضي على نفس الدرب، كبريطانيا مثلًا التي أخلت وجودها كرهًا من على مشارف باب المندب ثاني أهم ممر دولي لصالح طرف أخّلّ بالشرط ويقر بطريقة غير مباشرة بعدم سيطرته على الأرض.