آخر تحديث :الخميس - 03 أبريل 2025 - 03:59 م

كتابات واقلام


حول مفاهيم الدولة والهوية في الجنوب

الأربعاء - 02 أبريل 2025 - الساعة 07:13 م

المحامي جسار فاروق مكاوي
بقلم: المحامي جسار فاروق مكاوي - ارشيف الكاتب


أولًا: الخلفية السياسية للكاتب وانعكاساتها على خطابه .
يُدرك الجميع أن الدكتور عبدالله عوبل كان وزيرًا للثقافة في حكومة المخلوع علي عبدالله صالح، وهو ذات النظام الذي مارس سياسات التمكين القبلي والعسكري على حساب الدولة، وكرس سلطة المركز على حساب الأطراف، مما قاد إلى المآلات الكارثية التي يعاني منها اليمن اليوم. بل إن هذا النظام هو من هيّأ البيئة الخصبة لنشوء سلطة الحوثي الطائفية التي يدعي الكاتب معارضتها، في حين أن خطابه لا يزال ينسجم مع إرث ذلك النظام في الترويج لوحدة قسرية ثبت فشلها، ومحاولة تخوين أي توجه لاستعادة الدولة الجنوبية، مستخدمًا مصطلحات تنطوي على تضليل سياسي مثل "تفتيت الجنوب" أو "العودة إلى الماضي".

ثانيًا: مغالطة "تفتيت الجنوب" وازدواجية المعايير .
يحاول الكاتب الإيحاء بأن تشكيل مجلس شيوخ يضم أمراء وسلاطين الجنوب هو مشروع لتفتيت الجنوب، متجاهلًا أن هذه المكونات كانت جزءًا أصيلًا من البنية السياسية والاجتماعية الجنوبية قبل الاستقلال، وعلاقتها بالناس كانت أكثر عدالة وارتباطًا بالمجتمع من سلطة المركز العسكري القبلي التي تم فرضها بالقوة بعد 1967.
إن الحديث عن "تفتيت الجنوب" في سياق الاعتراف بالمكونات الاجتماعية الطبيعية فيه هو مغالطة واضحة، خصوصًا عندما يأتي هذا الطرح من شخص لم يعترض أبدًا على استمرار الحكم القبلي في الشمال ولا على سيطرة مراكز النفوذ التقليدية هناك. بل إن هذه الأطروحات تكشف عن عقلية مركزية تسعى لفرض رؤية واحدة على الجنوب، رغم أن القانون الدولي يكفل لكل شعب الحق في استعادة دولته وهويته الوطنية وفق تاريخه السياسي الخاص، وليس كما يريد له أن يكون دعاة المركزية الفاشلة.

ثالثًا: ازدواجية خطاب الوحدة والانفصال النفسي .
يطرح الكاتب مفهوم "وحدة نفسية وإنسانية" بين الشمال والجنوب، وهي فكرة تبدو في ظاهرها منطقية، لكنها تخفي في طياتها ترويجًا لاستمرار الوضع القائم تحت مسمى جديد. فإذا كان الكاتب يؤمن حقًا بأن الشعب الجنوبي والشمالي يجب أن يكونا موحدين نفسيًا، فلماذا لم يعترض على سياسات التهميش والاستبداد والتمييز الممنهج ضد الجنوب منذ 1990؟ ولماذا لم يقف ضد النهب الممنهج للثروات الجنوبية الذي مارسه النظام الذي كان جزءًا منه؟
ثم إن الإقرار بوجود دولتين كأهون الشرور، كما يذكر الكاتب، هو اعتراف ضمني بأن مشروع الوحدة السياسية قد فشل، وأن ما تبقى هو محاولات مكابرة لا أكثر. لكن الأخطر من ذلك، هو محاولة المزايدة على الجنوبيين بعبارات مثل "تفتيت الجنوب"، بينما الواقع أن الجنوبيين يتحدثون عن استعادة دولتهم، وليس عن تقسيمها أو تفتيتها.

رابعًا: حقيقة من يقود مشاريع الفوضى في الجنوب .
إذا كان هناك من يسعى إلى الفوضى وتفتيت الجنوب، فإنهم أولئك الذين يقاومون أي محاولة لاستعادة الدولة الجنوبية، ويفرضون واقعًا سياسيًا مناقضًا لإرادة الشعب الجنوبي. التحذير من مشيخات وسلطنات وهمية هو مجرد قناع يخفي وراءه محاولة ديمومة السيطرة السياسية التي يروج لها الكاتب.

خامسًا: الحق القانوني في استعادة الدولة الجنوبية .
من الناحية القانونية، فإن الجنوب كان دولة ذات سيادة قبل عام 1990، وأي اتفاق للوحدة تم خرقه من طرف واحد عبر الحرب والغزو، فإن القانون الدولي يعطي الجنوبيين كامل الحق في استعادة دولتهم، وفقًا لمبدأ تقرير المصير ورفض الضم القسري. وبالتالي، فإن استعادة الجنوب لدولته ليس "تفتيتًا"، بل هو تصحيح لمسار تاريخي كان مليئًا بالمغالطات والخداع السياسي.
ما يحاول الدكتور عبدالله عوبل الترويج له هو استمرار الهيمنة المركزية تحت عناوين مضللة، وإغفال حقيقة أن الجنوب لم يكن جزءًا من "الوحدة اليمنية" إلا عبر الغزو العسكري. أما محاولة تخويف الناس من العودة إلى الماضي، فهي لا تعدو كونها جزءًا من بروباغندا قديمة سقطت مع سقوط الأنظمة التي روجت لها.
الشعب الجنوبي قرر استعادة دولته، وكل المحاولات لفرض مشاريع سياسية لا تعبر عن إرادته لن تكون سوى استمرار للأخطاء التي قادت إلى الفشل الحالي.
كتب:المحامي/جسار فاروق مكاوي .