الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



كتابات وآراء


13 مارس, 2019 03:01:09 م

كُتب بواسطة : أحمد محمود السلامي - ارشيف الكاتب


لا ادري لماذا استدعت ذاكرتي اليوم ذاك المشهد الذي حطم كل أفكاري المتزاحمة ليصعد إلى ناصية الذهن ، لعل السبب في ذلك هو المعاناة التي سبيتها المصيبة الحقيقية التي نعيشها ويعيشها كل أبناء اليمن شماله وجنوبه .. أربع سنوات حرب مضت وقد تأتي مثلها .. حربٌ يعلو فيها صوت الرذيلة التي تُنفَخ دون هوادة في بوق الفضيلة حتى تنتصر ويسحق الأبرياء ويغيب الحق عن الوطن وسمائه .
المشهد : قبل تسع سنوات .. ظهر يوم إجازة .. مبنى تلفزيون عدن بالتواهي .. كنتُ قد فرغت من عملي في إدارة الأخبار ، نزلت من غرفة التحرير إلى الردهة أمام استديو (1) وقبل الدخول إلى الممر الطويل المؤدي إلى استديو الإرسال توقفت لإجراء مكالمة تلفونية بصديق ، حينها سمعت شخص يتحدث من داخل استديو (1) الذي كان بابه شبه مفتوح .. دخلت خلسة وكان العمال قد انتهوا من تركيب ديكور لمشهد تمثيلي تاريخي سيسجل في المساء استعداداً لبرامج شهر رمضان المبارك .. الإضاءة كانت عادية والكاميرات والأجهزة مغلقة ، كان الديكور عبارة عن قاعة تاريخية مزينة بكثير من الإكسسوارات والستائر و الدرابزونات الخشبية ، رأيت شاباً من أفراد حراسة المبنى واقفاً في منتصفها ، مستغل عدم وجود الموظفين ويقوم بتقليد عديّ بن ربيعة في مسلسل "الزير سالم" أمام ثلاثة من زملائه وينشد هذه الأبيات :
يَا لَهْفَ نَفْسِي مِنْ زَمَــــانٍ فَاجــــِعِ أَلْقَى عَلَيَّ بِكَلْـكَلٍ وَجِــــرَانِ
بمصـــــيبةٍ لا تســـتقالُ جليلـــــةٍ غَلَبَتْ عَزَاءَ الْقَـــوْمِ وللشُّبان
هَدَّتْ حُصُــوناً كُنَّ قَبْلُ مَـــــــلاَوِذاً لِذَوِي الْكُهُولِ مَعاً وَالنِّسَوَانِ
أضحتْ وَأضحى سـورها منْ بعدهِ متــــهدمَ الأركانِ وَ البنيـــانِ
ولما حس بوجودي توقف والتفت نحوي معتذراً : أنا آسف يا أستاذ .. والله إني أحب التمثيل وأحفظ الكثير من الشعر ، وقد كلمت المدير أكثر من مرة ويصدمني بقوله : لما يكون هناك دور جندي في أي مشهد ، ممكن نعطيك فرصة .
سألته عن اسمه ، قال : حمود من إب وهذا زميلي مهدي من شبوة ، وهذا مشعل من تعز ، وهذا خلدون من لحج . سألت اللحجي : وأنت يعجبك تشاهد المسلسلات التاريخية ؟ رد عليّ باختصار شديد : " لا " .
كررت السؤال بصيغة أخرى : ماذا تحب تشاهد من مسلسلات ومسرحيات ؟ رد عليّ ببديهة سريعة وباللكنة اللحجية : " وامصيبتش وانويره " . ضحك زملاؤه الثلاثة بصوت عالي وقال احدهم : خلدون حبوب .. كل شيء عنده واااامصيبتش وانويره ، تضيع عليه حاجة .. واااامصيبتش وانويره ، يصيح عليه الضابط ، واااامصيبتش وانويره ، حتى أنهم أصبحنا ننادوه ( وانويره ) .
ترى أين أولئك الشبان الأربعة الان ؟ هل اشتركوا في الحرب وقتلوا بعضهم بعضا وانتهى أمرهم كما انتهى أمر الآلاف من الشباب .. أين حمود ؟ الشاب الطموح الذي كان يحفظ الشعر ويحب الأدب والإلقاء ويحلم أن يصبح ممثلاً مشهوراً .. أتمنى أن يكون حي يرزق كي يرى بأم عينه كيف أصبح المكان الذي حلم فيه بمستقبل آخر غير الحياة العسكرة القاسية . أتمنى أن التقي حمود لأقول له أن شِعر عديّ بن ربيعة التغلبي الملقب الزير الذي صدح داخل الاستديو بلسانك ، يصفُ اليوم حال الإذاعة والتلفزيون وما تعانيه ، بعدما كانت موئلاً لأحلام الكثير من الشباب وأصبحت مهدمة الأركان والبنيان في هذا الزمان الفاجع ، زمن حرب البسوس الجديدة التي تدور رحاها في بلادنا بين أقطاب السياسة والاقتصاد العالمي والإقليمي ، حول النفط والثروات والموانئ وأطماع وحسابات آخري لا نستطيع التكهن بها حالياً .
إذاعة وتلفزيون عدن لن يتم تشغيلهما إلا بعد أن يتم نزع العصب الأساسي لهما ومسخ هويتهما وخلخلة ما تبقى من الكادر وتشريده وتجويعه وتخوينه إن لزم الأمر، وإحلال مكانه قطيع طائش من البشر لا يفقه في الأخلاق وقيم المهنة شيء يذكر، هدفه الوحيد الفلوس والمناصب والاستمتاع والسفر وأشياء آنية أخرى . اعتقد أن هذا يأتي ضمن مخطط خلق الوضع الفوضوي داخل عدن ! من يفعلون ذلك لا تهمهم النتائج السلبية الخطيرة التي تضر حياة الناس بقدر ما تهمهم مصالحهم الذاتية أفراداً كانوا أم جماعات أو أكثر ، وهذه مصيبة وقعنا فيها بسبب أنانية السياسيون والأحزاب والتكتلات والنخب السياسية التي تُنفَخ في بوق الوطنية ليلاً وتهاراً حتى تحقق مآربها الخاصة ليس إلا.