الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



كتابات وآراء


قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ : "وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ " سورة يونس الآية 36.



إن قاعدة (المتهم برئ حتى تثبت إدانته) قاعدة قديمة وعامة في القانون الوضعي والديني، وهي من أهم مبادئ العدالة الجنائية كما تعتبر من أهم مبادئ حقوق الإنسان، وعنوان من عناوين الحرية وهي ضمانة موجودة في كل دساتير العالم، وقد إنطلقت في الفكر القانوني الحديث كمبدأ دستوري بعد ان نص عليها اعلان حقوق الانسان والمواطن في مقدمة دستور سنة 1789 الفرنسي. واصبحت قاعدة دولية لا يمكن نكرانها او تجاهلها بعد ان نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 بالقول على انه (كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً حتى تثبت ادانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات للدفاع عنه). (م 11/1).

واخذ الدستور اليمني بهذا المبدأ وفق نص الماده ( 47 )منه حيث ذكر متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات

ونصت المــادة(4): المتهم برئ حتى تثبت ادانته ويفسر الشك لمصلحة المتهم . ولا يقضي بالعقاب الا بعد محاكمة تجرى وفق احكام هذا القانون وتصان فيها حرية الدفاع .

مقتضى المبدأ أن كل شخص متهم بارتكاب جريمة – أيا كانت جسامتها – تجب معاملته بوصفه شخصا بريئا حتى تتأكد إدانته بحكم قضائي نهائي محض – أي حائز بحجية الشيء المحكوم به بحيث لا يقبل الطعن فيه .

والثابت أن الدعوى الجنائية تعرض من ترفع ضده – المتهم – إلى خطرين – الأول هو أن يتم اتهامه خطأ ، ولكنه يستفيد في النهاية بقرار الأوجه لإقامة الدعوى أو حكم البراءة ، كما تشير بذلك إليه المواد السابقه ، والخطر الثاني أن تتم إدانته والحكم عليه بعقوبة في حين أنه برئ ، وبالرغم من أن الخطر الأول أقل بشاعة من الخطر الثاني إلا أنه على قدر كبير من الخطورة لما يمكن أن يستتبعه من إجراءات ماسة بحريته الشخصية – المتهم – أو حتى مقيدة لها كالقبض والتفتيش – للأشخاص والأماكن – والحبس الاحتياطي الأمر الذي لا يستطيع معه الحكم القاضي بالأوجه لإقامة الدعوى أو البراءة أن يمحو الأضرار التي تحملها بما في ذلك الثقة التي كان يتمتع بها المتهم من قبل والتي سوف تهتز بعد حبسه أو تفتيشه .

أما فيما يتعلق بالخطر الثاني – إدانته وهو برئ – فإنه وإن كان قليل الوقوع عملا ، إلا أنه ليس نادرا أو مستحيلا . ذلك أن الحياة القضائية التي تم فيها الحكم على أبرياء ، وعلى هذا فإن إمكانية حدوث هذه الأخطاء مسلم به من الناحية التشريعية ، والدليل على ذلك هو وجود القواعد الخاصة بإعادة النظر في الأحكام القضائية الابتدائية في جميع قوانين الإجراءات الجنائية الحديثة والغاية منه تلافي هذا الخطر المزدوج – والذي يمكن أن يكون ضحيته أي مواطن فقد تبنت أنظمة الإجراءات الجنائية الحديثة مبدأ مقتضاه أن كل شخص متهم بارتكاب جريمة يجب أن يعتبر ويعامل كشخص برئ حتى يصبح القرار القضائي المعلن لإدانته نهائيا لا رجعة فيه .

وبهذا الفهم تعتبر قرينة البراءة أساس كل تنظيمات وقواعد الإجراءات الجنائية والذي يقال عادة في تبريره أنه من الأفضل أن يفلت مذنبا من العقاب خيرا من أن يدان برئ ، وفي هذا الصدد يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه للإمام أن يخطئ في العفو خيرا له من أن يخطئ في العقوبة .

فالمبدأ الذي يمثل حماية للحرية الشخصية للإنسان ، والتي تعتبر أول حق من حقوقه كإنسان بعد حقه في الحياة ، فهو ضمانة أساسية للحرية الفردية ضد تعسف سلطات الدولة المختلفة في ممارستها لحق المجتمع في العقاب ، وعليه فإذا كان القسم الموضوعي من القانون الجنائي – أي القسم الخاص بتحريم الأفعال وتحديد عقوباتها – هو قانون المذنبين أو المجرمين ، فإن القسم الإجرائي منه – أي الإجراءات الجنائية – فهو قانون الناس الشرفاء ، فالمتهم يحضر أمام مختلف الهيئات القضائية الجنائية دون أن يكلف بإثبات شيء ، فهو ليس مكلفا بإثبات براءته لأن هذه الأخيرة مفترضة فيه ، وعلى هذا فإن تقررت ضرورة القبض عليه ، فإن الحبس الاحتياطي يعد إجراءا استثنائيا بقدر ضرورته للتحفظ على شخصية المتهم من جانب وتجريم كل تعسف في تنفيذ وتطبيق قواعد الإجراءات الجنائية من جانب آخر..!!

#المتهم_برئ