الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة





كتابات وآراء


11 يوليه, 2018 12:52:48 م

كُتب بواسطة : محمد علي محسن - ارشيف الكاتب


عشر عجاف مرت على اول هتاف جريء وكاسر لرتابة الصوت الجنوبي الصادح بوجه طغيان وفساد النظام العائلي القبلي .
فبرغم ان المقاومة الجنوبية ، اخذت أشكالا وانماطا وطرقا كاثرة ، عبرت فيها عن رفضها للحرب ووهم الانتصار في ٧ يوليو ٩٤م ، الا ان هتاف " ثورة ثورة يا جنوب " لم يسمع به الا عند انطلاقة الحراك الجنوبي في مارس ٢٠٠٧م .

اذكر انني سمعته ولأول وهلة خلال أمسية رمضانية نظمتها جمعية المتقاعدين بالضالع ، وتحديدا حين وصلت طلائع القادمين من ردفان ويافع الى جوار مستشفى بن عباس وسط مدينة الضالع .
كنت وقتها بمعية الزميلين هاجع الجحافي وعبد السلام جابر ، ولكم أدهشت حين التحم هؤلاء وأخذوا يلهجون بهتاف جديد غير مسموح به في السنوات السالفة .
فعلى وقع رقصة حماسية تحول الشارع الأسفلتي الى كتلة دائرية صاخبة صادحة " ثورة ثورة يا جنوب " .
ومذ تلك اللحظة انزلق الجنوبيين وقضيتهم السياسية العادلة الى مهاوي المجهول .

الثائرون وهم في غمرة بحثهم عن وطن مفقود وكرامة مهدرة وحق مستباح ، غفلوا حقيقة ان الاوطان ليست مساحة تراب فقط ، وانما قبل الجغرافيا هناك مجتمعا إنسانياً يتشارك الحياة والطموح والمواطنة المتساوية والعدالة والتسامح والخير والعطاء والتضحية والتفاؤل والإنجاز وكتابة التاريخ ووووالخ .

قلت حينها ، وفي سلسلة تناولات صحافية ، بان حشد الجنوبيين وعلى أساس العصبية للجغرافيا ، ربما قد يفلح في تأليب الجماهير وتثويرها وبشكل سريع وكثيف ، لكنه سيكون خطرا على الجنوبيين وعلى قضيتهم العادلة وعلى مسيرة كفاحهم .

في ذينك الوقت وفيما فورة الهتاف تشق عنان السماء ، مدوية ، مرعبة ، مستفزة ، معلنة بشارة زوال النظام القبلي الأمني القمعي المتخلف ، كنت قد حذرت من مالات تطويع الجغرافيا وعلى تلك الشاكلة الخطرة البعيدة عن مضامين القضية السياسية ومحتواها العادل .
للأسف البعض اخذ علي وصفي الجنوب ومقاربته ببقرة بني اسرائيل التي اختلف القوم في ماهية لونها وهل ستكون حمراء او صفراء او غامقة ؟ ودونما اكتراث في حقيقة جوهرها باعتبارها منحة وهبة وآية من ربهم ما يستوجب منهم اليقين والانتفاع بها ، بدلا من التنازع حولها .

نعم ، بين الأمس واليوم ، مساحة زمنية شاسعة ، ومع كل محاولة اقتراب من الجنوب الذي كان والجنوب الذي ينبغي ان يسود ، لا اعثر الا على أصوات طافحة بالغضب والإساءة للآخر المختلف .
وعلى جنوب غريب عجيب يماثل نعامة ضخمة عاجزة عن ان تكون طائرا مغردا في الفضاء او انها صارت حيوانا أليفا ونافعا فوق الثرى .

اذكّر الان لعل وعسى تنفع الذكرى ، فالجنوب الذي فاتحته حظرا ومنعا وتخوينا وتكفيرا ، لا أظنه الا فقاسة من مضغة رديئة موبوءة بالاستبداد والاحتقار والتبعية والإقصاء .

وعلى الجنوبيين الا تؤخذهم الحماسة الزائدة بعيدا عن واقعهم ، فنحن في بلاد يدعي أهلها انها جمهورية وديمقراطية وتعددية وليست مملكة او إمارة او سلطنة وراثية سلالية .

وعليه اعد الاخوان شريكا سياسيا مهما ومؤثرا وفي اي تسوية تاريخية مستقبلية سواء في الجنوب او اليمن عموما .
فالاخوان وان اختلفنا معهم فكريا وسياسيا ، يبقون في المحصلة كيانا سياسيا ومجتمعيا له وزنه وتأثيره ، ما يستوجب منا التعاطي مع هكذا واقع بشيء من الحكمة والتروي والإنصاف ، لا بنوع من الشطط والمكابرة والعناد .

محمد علي محسن