الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



من تاريخ عدن

الجمعة - 24 مايو 2019 - الساعة 02:14 ص

إعداد منى تركي

ثقافة وهوية

لا يبالغ المرء إذا ما قال إن ولادة المطبخ العدني كانت النتاج الأبرز لتلاقح الثقافة الهندية مع الثقافة المحلية إبان المراحل الطويلة للاستعمار البريطاني وما سبقها. يقول الباحث في تاريخ عدن الأستاذ بلال حسين غلام: “نظراً لأن المائة سنة الأولى التي كانت عدن تُحكم فيها من قبل الحاكم العام البريطاني لشركة الهند الشرقية من بومباي فقد كان للتواجد الهندي من خلال وجود الجنود الهنود ضمن الجيش البريطاني وكذلك الموظفين الهنود المستخدمين في تسيير الإدارة المدنية في المرافق الحكومية في عدن، بالإضافة إلى الحضور الكبير للسكان الهنود و التجار في كافة مفاصل المدينة، كل هذا كان له تأثير كبير في فرض الصبغة الهندية في الأكلات العدنية”.

حقيقةً كان التأثر بالثقافة الهندية يفوق كل تأثر بثقافة المستعمر، والميدان الذي كان للهنود أن يسودوا فيه ويسلبوا العقول كان ومازال المطبخ. يقول المؤرخ الراحل محمد أحمد البيضاني: “كان الجندي الهندي في الجيش البريطاني يأكل أنواعاً من الأطعمة والحلويات أكثر مما يأكل الجنرال البريطاني”. لذا ومع كل رحلة كانت باخرة نقل الفحم تقطعها من بومباي إلى عدن محملة ببعض التموين الغذائي للهنود المقيمين في المدينة كانت قصة المطبخ العدني ترتسم وتتشكل.

البهارات

غني عن القول بمركزية البهارات الهندية في مطابخ العالم، لكن العدنيين يفاخرون بأن مطبخهم هو “النسخة الأكثر أصالة” عن المطبخ الهندي. عرفت المدينة خلطة البهارات الشهيرة (Garam Masala) أو الحوايج الشركة كما تُسمى في عدن، وهي البصمة البارزة على أطباق اللحم والدجاج والمكونة من الكمون، القرفة، الهيل، الفلفل الأسود، ورق الغار وبذور الكزبرة بشكل أساسي ثم يتاح بعدها التفنن بألوان وأشكال البهار التي لا تعد. ومن خلال تقديم البسباس (الفلفل الأحمر) والكاري.


عرفت أيضاً عدن وجبتها الرئيسية اليوم “الصانونة” والتي يفضل العدنيون طبخ سمك بحرهم فيها. الصانونة هي اتجاه عدني من طبق (Salan) الهندي والذي يُطبخ في الهند على ألوان وأنواع من اللحوم مختلفة. كما وافتتن العدنيون بالعُشار أو (Atchar) وهي مخللات الليمون والمانجو الممزوجة بالتوابل الحارة والتي لا تُغادر موائدهم. وأصبح كذلك ” الحُمر” أو التمر الهندي مُنكه أساسي في أطباق عديدة وإضافة ساحرة على الشتني أو Chutney الصلصة الهندية الحارة والتي تأتي على نكهات وألوان لا حصر لها.

المخبوزات

على الرغم من عديد أنواع المخبوزات التي عرفتها المناطق الريفية المحيطة بعدن، إلا أن الروتي أو (Rooti) هو الخبز الأكثر انتشاراً في عدن وعموم اليمن. والروتي كلمة هندية تشير لأنواع الخبز المختلفة إلا أن خبزاً محلياً يشبه خبز الصمولي هو ما يُشار إليه بالروتي هنا. وللخبز المُلوّح أو (Parata) شهرة واسعة عن عدن، وهو كذلك خبز شعبي في الهند يترافق تقديمه مع شاي الحليب أو “الشاهي الملبن” الذي عرفته الهند وعدن عن الإنجليز.


الولائم

وعلى عادات الهنود الفاتنة يُقيم العدنيون ولائمهم بالزربيان أو ((Biryani المطبوخ على مهل بـ”دست” عملاق مغلق بالعجين على الحطب. والدست كلمة هندية تعني قدر الطبخ. أما “البريان” هو في الأصل طبق فارسي يطبخ باللحم والزعفران ولكن بانتقاله إلى الهند حيث يدعى “برياني” لم يعد الزعفران البهار الرئيسي، وحلت محله الحوايج الشركة. وفي عدن اكتسبت النسخة الهندية عن الطبق الفارسي اسم “الزربيان” واشتهرت المدينة به. يُقدم الزربيان مع “الهلوى” أو “Halwa” وهو طبق حلو هندي شهير مكون من السميد و ُطبخ مع أصباغ الزعفران والمكسرات، وعلى الرغم من أن الهنود يطلقون على هذا الطبق اسماً عربياً وهو ” الحلوى” إلا أن اللفظ الهندي للكلمة بقلب الحاء هاءاً كان قد انتقل مع الطبق.

الحلويات

تزخر المدينة بقائمة طويلة من الحلويات تترأسها الحلويات الهندية الشهيرة مثل:

اللدو (Ladu):


المشبك (Jilabi):


لقمة القاضي (Gulab Jamun):


حلاوة اللبن (Dod Pera):


حلاوة الجزر (Gajar Ka Halwa):


وغير هذه الأصناف، والتي كثيراً ما ارتبطت بتقاليد أفراح الناس في عدن. فالعطرية التي تطهى في كل بيت عدني يوم العيد هي نوع واحد من حلوى الشعيرية الهندية. يضاف إلى تلك الأطباق شيوع استخدام الكاجو (kajo)، وجوز الهند (Naryal)، والشمار (Saumf) كمكونات أساسية في أطباق الحلو العدني، حتى الحديث منها.

يطول الحديث عن التأثير الهندي على المطبخ والثقافة العدنية، ولا ينتهي. فهنود عدن القادمون من مختلف أرجاء القارة الهندية جلبوا معهم عادات من جوانب الحياة كلها، مما أسس لثقافة هجينة تميز عدن المدينة المنفتحة على البشر بمختلف مشاربهم. وإذا ما كان ثراء مدينة ما بتنوع أطباقها، فثراء عدن كان بموقعها من الهند، بلد العجائب.



– تصوير سندس جمال وآلاء عقربي.