الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



الصـــحافــة الــيوم

الخميس - 15 مارس 2018 - الساعة 10:21 ص

عدن تايم - صحف :

بعد قرابة عام على صفقة الرهائن القطريين التي تم نشر تفاصيلها أبريل الماضي، بعدما تبين دفع تنظيم الحمدين فدية لجماعات إرهابية في العراق وسوريا مقابل تحرير مختطفين من الأسرة الحاكمة، ما يعني وجود اتصالات سرية بين الدوحة ورموز وقيادات تلك الجماعات، أعادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية فتح الملف في تقرير موسّع حمل العديد من الأسرار والكواليس عن تلك الاتفاقيات المشبوهة.

تقرير «نيويورك تايمز» سلط الضوء على مثلث «قطر ـ إيران ـ والجماعات الإرهابية»، موضحاً أن الإمارة تمكنت من تحرير رهائن قطريين تم اختطافهم في العراق بعدما دفعت 770 مليون دولار، وهو ما يعكس بطبيعة الحال وجود اتصالات مفتوحة بين مسؤولي الدوحة والجماعات الإرهابية في العراق.

وقالت الصحيفة، في تقريرها المنشور أمس، إن المختطفين وقعوا في الأسر بعد قيامهم برحلة صيد صقور في صحراء العراق، وإن جزءاً من تلك الأموال يقدّر بـ360 مليون دولار تم تقديمه لجماعات إرهابية، إلا أنه في نهاية المطاف ربما تكون الأموال أقل أهمية من الأبعاد السياسية للاتفاقية التي عقدتها الدوحة مع هذه الجماعات.

وأضافت الصحيفة أنه من أجل استرداد رهائنها، تفاوضت قطر على عملية تبادل سكاني في سوريا، مستخدمةً ميليشيات الإرهاب التي تمولها للقضاء على جميع مواطني أربع مدن تقع في مواقع استراتيجية، وهذه العملية عملت على تقدم هدف إيران الأكبر المتمثل في تحويل سوريا، جنباً إلى جنب مع العراق ولبنان واليمن، إلى دول تابعة تضمن دوراً إيرانياً مهيمناً في جميع أنحاء المنطقة.

ضربة لترامب

وقالت الصحيفة إن الصفقة كانت ضربة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهدفها المتمثل في الدفاع ضد العدوان الإيراني، كما أنها بالنسبة إلى آلاف السوريين الذين يتضورون جوعاً، تعني طردهم إلى المنفى في اتفاق غامض، بينما الحكومة السورية نفسها ليس لديها قول كبير في الأمر.

وأضافت أن ما بدأ عملية اختطاف وقحة، تحول في نهاية المطاف مقياساً للقوى الجيوسياسية التي تمزّق الشرق الأوسط، وبتكاليفهم البشرية وما ينتشر من الفساد والكراهية الطائفية والإرهاب.

وكشف تقرير الصحيفة الأميركية عن أن أنباء خطف مواطنين قطريين بعضهم من العائلة المالكة أبرز نقاط الضعف التي ظهرت مع صعود قطر المفاجئ، فشبه الجزيرة الصغيرة، التي تتخذ شكل الإبهام في الخليج العربي، قفزت من الفقر إلى ثروة هائلة في العقود الثلاثة الماضية، بفضل رواسب الغاز الطبيعي تحت صحرائها وسواحلها.

وأشار التقرير إلى أنه بداية من التسعينيات، حاولت قطر حماية نفسها من خلال مغازلة وإزعاج جميع الأطراف دفعة واحدة، وقد قفزت إلى سوريا وإيران وحزب الله اللبناني، ما أثار غضب الولايات المتحدة وحلفائها، وفي الوقت نفسه وصلت أيضاً إلى دول أخرى، للتوسط في الصفقات الدبلوماسية في لبنان واليمن. ولقد وُلدت قناة «الجزيرة»، القناة الفضائية التي تسر الحشود ببثها المعادي للولايات المتحدة، حتى مع استضافة قطر أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

نتائج عكسية

وتضيف أنه في السنوات الأخيرة، كان لموازنة قطر نتائج عكسية، فمن خلال أموالها أجرت رهاناً محفوفاً بالمخاطر بتمويل جماعات إرهابية في سوريا، بما في ذلك الفرع المحلي لتنظيم القاعدة، على أمل أن يفوزوا في الحرب الأهلية، وأن يدينوا بالامتنان لرعاتهم.

وبدلاً من ذلك، استمرت الحرب السورية، وأصبح الإرهابيون أكثر تطرفاً، وباتت أيادي قطر ملوثة بسبب ارتباطها بالجماعات الإرهابية. وفي نهاية المطاف، تمكّنت قطر من صنع أعداء على جانبي الانقسام الطائفي المتفاقم.

وفي غضون أيام من اختطاف الصيادين القطريين، تأكدت الحكومة في الدوحة أنه من شبه المؤكد أنهم محتجزون لدى ميليشيا على علاقة بإيران، وهو ما يضع مصيرهم في يد الرجل الأخطر في العالم، الجنرال قاسم سليماني، رئيس الحرس الثوري الإيراني، لكن سليماني لم يكن يهتم بأموال الفدية، فأولويته لسنوات هي سوريا.

وقالت الصحيفة في تقريرها: «كانت سوريا شريان حياة لإيران منذ الثمانينيات، عندما بدأت الجمهورية الجديدة أولاً بشحن الأسلحة عبر الأراضي السورية إلى حزب الله الذي يعمل كذراع إيران الخارجية في لبنان. عندما اندلعت الحرب الأهلية السورية عام 2011، وأصبح هذا الأمر في خطر. وبالنسبة إلى سليماني، الذي أطلق القوات العسكرية الإيرانية في سوريا، أصبحت الحرب الأهلية هناك كفاحاً وجودياً للحفاظ على حليف بلاده الوحيد الموثوق به».

بيادق قيّمة

وتابعت: «من ثم أصبح الرهائن القطريون بيادق قيمة في هذه اللعبة الجيوسياسية. كانت قطر تمتلك نفوذاً قوياً مع الفصائل الإرهابية التي تمولها، وهو ما يمثل عاملاً مفيداً للجنرال الإيراني. ففي ذلك الوقت كان سليماني وحلفاؤه من حزب الله يبحثون عن طرق جديدة لتعزيز السيطرة على مناطق رئيسة معينة بالقرب من العاصمة السورية، ليس من خلال قتل عناصر المعارضة فقط، بل طرد السكان المدنيين الذين كانوا يحمونهم».

وفى نهاية المطاف، كانوا يأملون بإعادة إعمار تلك البلدات، ثم كانت هناك خطة مثيرة للجدل وطموحة تختلط بنغمات مظلمة للتطهير العرقي، لكن إذا نجحت فإنها يمكن أن ترسخ النفوذ الإيراني في سوريا على المدى الطويل.

وتقول الصحيفة إنه قبل أن يتم خطف الرهائن القطريين، بدأت إيران جهداً جريئاً لتحقيق هذا الانتقال الديموغرافي. ففي اجتماع سري عُقد في إسطنبول في سبتمبر 2015، اقترح مبعوث من قوة القدس التابعة لسليماني اتفاقاً أصبح يعرف باسم «صفقة أربع بلدات».

وبموجب الاتفاق سينتهي حزب الله من حصار اثنين من معاقل المعارضة في سوريا بالقرب من الحدود اللبنانية، مضايا والزبداني، التي كان يشكّل سكانها تهديداً مستمراً لنظام الأسد في دمشق. وفي المقابل، سينهي الإرهابيون المموّلون من قطر حصارهم لبلدتين في الشمال الغربي، وهما كفريا والفوعا.

هدفان لإيران

صفقة الأربع بلدات ستحقق هدفين لإيران: التخلص من تهديد المعارضين في منطقة استراتيجية، في الوقت الذي يتم إنقاذ المعرّضين للخطر في الشمال. كانت تفاصيل الصفقة غامضة في البداية، لكن في وقت ما اقترح الإيرانيون أن يتمكن السكان من مبادلة المدن، حيث يتداول السوريون حرفياً الأماكن، وربما يسكنون منازل بعضهم.

لقد قدموا هذا كبادرة إنسانية، باعتبار أن إنهاء الحصار سيفيد الناس في المدن الأربع، لكن الناطقين باسم المتمردين في إسطنبول رفضوا الفكرة بشكل غاضب، واصفين إياها بجهد متغطرس لإعادة تشكيل خليط سوريا الطبيعي من ديانات ومجموعات عرقية متنوعة ذات حسابات طائفية صارمة.

وتقول «نيويورك تايمز» إنه بعد عملية خطف الصيادين القطريين، اكتسبت إيران بعض النفوذ القوي على الإرهابيين أنفسهم، أو بالأحرى، على مانحهم الرئيس في الدوحة. وعادت خطة إخلاء المدن الأربع إلى الطاولة.

وذكرت الصحيفة تفاصيل عن تعثر المفاوضات أشهراً، حيث ظلت الرهائن القطرية طيلة 16 شهراً، لكن في نهاية المطاف تمت عملية التغيير الديمغرافي في سوريا تحت مشهد من العنف والقصف، كما تم الإفراج عن الرهائن في أبريل الماضي بعد دفع الدوحة نحو 770 مليون دولار للميليشيات المسلحة من خلال دفعتين.

«الحقائب القطرية السوداء»

يكتشف المرء، يوماً بعد يوم، أن الزمرة المارقة، المتمثلة بـ«تنظيم الحمدين»، تتفوق على أكثر العقول سواداً، وأشد الأنفس حقداً، في ابتداع الأساليب الشيطانية لتمويل الإرهاب، وتأمين المتطرفين، وإشعال الفتن، والعبث بالاستقرار في غير مكان من هذا العالم المنكوب بـ«دوحة الحمدين».

في الواقع، كان من أكثر أساليب الدوحة «ابتكاراً» وتكراراً هو دفع مئات الملايين من الدولارات، هنا وهناك، لجماعات إرهابية، تحت مختلف اللافتات والذرائع «الإنسانية»، التي سرعان ما يظهر زيفها وبطلانها، وهو ما تبدى في العمليات القطرية المشبوهة في أكثر من بلد.

ومن المثير للريبة أن «مثلث الشر» يجتمع، في كل حكاية من هذه الحكايات القطرية الملتبسة، بكامل زواياه وأركانه، من الدوحة إلى طهران إلى الجماعات الإرهابية، بأطيافها الظلامية المتعددة، التي تتلون بالمذهب الشيعي تارة، والسني تارة أخرى.

ومن المثير للريبة، أيضاً، أن تمتلك الدوحة، العاجزة عن فتح خط اتصال واحد مع أبنائها القطريين الذين شردهم «تنظيم الحمدين»، عشرات.. لا، بل مئات الخطوط وقنوات الاتصال المفتوحة مع رؤوس الشر في الجماعات الإرهابية الظلامية في العراق، وسوريا، ولبنان، وليبيا، وفي قائمة طويلة من بلدان آسيا وأفريقيا!؟

والحال هذا، لا يمكن لعاقل أن يصدق، دون أن يكون ساذجاً، أن الدوحة، التي تفرط بسيادتها، وتضن بخيرها على مواطنيها، وتقتر على شعبها، يمكنها أن تدفع، فجأة، ما يقرب من مليار دولار فدية لتحرير مواطنين مختطفين في العراق.

ومن المؤكد أن مثل هذا المبلغ الطائل لا يمكن أن يكون مجرد فدية، ولكنه ميزانية شر وشرور، لتنفيذ برنامج شيطاني واسع النطاق، ترسمه الدوحة، ويقوم على تنفيذه عبدة المال، من المأجورين قاطعي الرؤوس، وآكلي لحوم البشر، الذين ظهروا على شاشات التلفزة العالمية، متباهين بأفعالهم المنكرة، مطمئنين إلى رعاية «تنظيم الحمدين»، الذي يأويهم عند اللزوم، ويعيد تأهيل شخصياتهم بوثائق وجوازات سفر عند الحاجة، ويمنحهم حق الإقامة على الأراضي التي يحرم من الإقامة عليها قطريون شرفاء.

وحينما يتعلق الأمر بـ«الحقائب السوداء» ودولارات الموت والدمار القطرية، فإن الأمر لا يقتصر على تخريب هنا أو هناك، إذ تتسع «ميزانية الشر» القطرية لتشمل عمليات التخريب في بلدان آمنة، وتأجيج نيران القتل والدمار في دول ملتهبة، ومنع الوصول إلى نهاية سلمية في أخرى تعيش نزاعات وصراعات دموية!

ومن المؤكد أن «الفدية» القطرية الطائلة التي دفعت في العراق، ووصلت إلى جماعات إرهابية، تمت ترجمتها دماء ودماراً وتخريباً في العراق وسوريا ولبنان، ومكاسب شر طائفية ومذهبية أودعت في الحساب الإيراني!

ياسر موسي